تحدث مرسيدس-بنز ثورة ميكانيكية ببدء الإنتاج التجاري لمحركات التدفق المحوري فائقة النحافة في مصنع برلين التاريخي، ويظهر لأول مرة في سيارة AMG GT بتسارع مرعب (من 0 إلى 100 كم/س في 2.1 ثانية)، متجاوزاً تعقيدات تصنيعية هائلة بفضل روبوتات دقيقة وكاميرات الذكاء الاصطناعي

هل تخيلت يوماً أن مستقبل السيارات الكهربائية بالكامل لا يتعلق فقط بحجم الشاشات داخل المقصورة، أو بسرعة البرمجيات، بل يكمن في ثورة ميكانيكية مدفونة في أعماق الشاصيه؟

شركة مرسيدس-بنز الألمانية العريقة قررت في عامنا هذا، 2026، أن تعيد كتابة قواعد اللعبة بالكامل، وتثبت هيمنتها الهندسية من خلال إطلاق خط إنتاج ضخم لمحرك كهربائي فريد من نوعه سيغير شكل السيارات المستقبلية.

من التاريخ إلى المستقبل (مصنع عريق يولد من جديد)

بدأت الحكاية في أقدم مصانع الشركة الألمانية على الإطلاق، مصنع برلين-مارينفيلد الذي تأسس عام 1902. بدلاً من إغلاق هذا المعلم التاريخي، حوّلته مرسيدس إلى مركز تقني فائق التطور لإنتاج أنظمة الدفع الكهربائية الخارقة

. والسبب؟ إنتاج محرك يعمل بتقنية التدفق المحوري (Axial Flux).

ما الفرق ببساطة؟

  • المحركات التقليدية في السيارات الكهربائية اليوم: تعتمد على "التدفق الشعاعي"، حيث تندفع القوى المغناطيسية للخارج (مثل أسلاك عجلة الهوائية).

  • محرك مرسيدس الجديد (التدفق المحوري): تتدفق فيه القوة المغناطيسية بشكل موازٍ للمحور. هذا التغيير العبقري سمح بوضع الأجزاء الداخلية في تصميم مسطح يشبه "القرص" أو الديسك، حيث يقع الجزء الثابت في المنتصف ومحاط بروتورين مغناطيسيين من اليمين واليسار (مثل الساندويتش). النتيجة؟ حجم أصغر بكثير وقوة جبارة غير مسبوقة!

حجم "القرص المدمج" وقوة الإعصار

سجل المحرك الجديد ظهوره الرسمي الأول داخل سيارة السوبر كار Mercedes-AMG GT 4-door Coupe.

بفضل هذا التصميم النحيف جداً، يبلغ عرض المحرك الكهربائي على المحور الأمامي أقل من 9 سم فقط! أما المحركان اللذان يغذيان العجلات الخلفية فهما أصغر حجماً وعرض كل منهما حوالي 8 سم.

ولكن لا تدع هذا الحجم الصغير يخدعك، فهذه المحركات النحيفة تدور بسرعة جنونية تتجاوز 15,000 دورة في الدقيقة، وعندما تعمل معاً، تطلق تسارعاً مرعباً يقذف بالسيارة الثقيلة من السكون إلى 100 كم/ساعة في 2.1 ثانية فقط، وبسرعة قصوى تصل إلى 300 كم/ساعة.

اختبار التحمل الأسطوري: للتأكد من اعتماديته، قامت مرسيدس ببناء نسخة اختبارية سميت CONCEPT AMG GT XX ، وتم جلبها إلى حلبة "ناردو" الشهيرة في إيطاليا. هناك، دارت السيارة دون توقف لمدة 7 أيام و13 ساعة متواصلة، قطعت خلالها أكثر من 40,000 كم وحطمت 25 رقماً قياسياً للسرعة والمسافات الطويلة للسيارات الكهربائية!

معركة التصنيع ولحظة "الزفاف" المرعبة

تحويل هذا المحرك من مجرد فكرة إلى خط إنتاج واسع كان بمثابة كابوس هندسي. خصص المصنع مساحة 30,000 متر مربع تتوزع على 7 خطوط إنتاج تمر بـ 98 خطوة منفصلة، من بينها 35 خطوة جديدة تماماً على قطاع صناعة السيارات العالمي (مما أسفر عن تسجيل 30 براءة اختراع جديدة).

واجه المهندسون تحديات بالغة الصعوبة:

  1. الأسلاك المربعة: اضطر المصنع لاستخدام أسلاك نحاسية مسطحة ومستطيلة بدلاً من الأسلاك الدائرية التقليدية لحشو أكبر كمية نحاس في المساحة الصغيرة. وكان ثني هذه الأسلاك السميكة بسرعة عالية دون تمزيق عوازلها أمراً في غاية التعقيد، مما تطلب لحاماً آلياً بالليزر فائق السرعة والدقة.

  2. الذكاء الاصطناعي البصري: استخدمت مرسيدس كاميرات ذكاء اصطناعي تراقب اللحام في الوقت الفعلي لحماية الأجزاء البلاستيكية الحساسة من حرارة الليزر وتضمن إحكاماً كاملاً يتحمل ضغط الزيت العالي.

لقطة العرض: "لحظة الزفاف"

الخطوة الأكثر دراماتيكية وإثارة في المصنع يسميها العمال "الزفاف". هنا، تقوم أذرع روبوتية بإنزال الجزء الثابت المركزي بين القرصين المغناطيسيين الثقيلين. لأن القرصين يحتويان على مغناطيس دائم، فإنهما يتجاذبان بقوة هائلة تصل إلى 9 كيلو نيوتن (أي ما يعادل 900 كجم من الجذب)!

إذا اختل التوازن لشعرية واحدة، ستتحطم القطع. لذلك يقوم كمبيوتر خارق بمراقبة العملية وضبط المحاذاة بدقة متناهية تسمح بنسبة خطأ أقل من 0.1 ملم فقط خلال النصف ثانية الأخير من التثبيت.

خاتمة ومصادفة تاريخية

يأتي إطلاق هذا المحرك الثوري في لحظة تاريخية مميزة جداً؛ فنحن الآن في عام 2026، وهو ما يوافق مرور 140 عاماً كاملة منذ أن سجل كارل بنز براءة اختراع أول سيارة في التاريخ عام 1886.

وفي حين تقود مرسيدس جولة احتفالية حول العالم بـ 3 سيارات من الفئة S-Class الفاخرة للاحتفال بالماضي، يعلم المدراء التنفيذيون في الشركة أن المستقبل الحقيقي لمرسيدس لا يعتمد على بريق الماضي، بل على نجاح هذه المحركات النحيفة فائقة التطور التي ستمنح سياراتهم الكهربائية تفوقاً دائماً على كل المنافسين عالمياً.

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك